Published On: Sat, Aug 2nd, 2014

سميشا- تهريب اليهوديات من دمشق إلى إسرائيل بين 1970 و 1973

العذراوات السوريات | ملفات الموساد | 1970 -1973

بداية القصة تعود إلى سنة (1969) عندما وصلت رسالة من سوريا من أحد اليهود السوريين عن طريق وسيط في دولة ثالثة (غالباً لبنان) للوكالة اليهودية في إسرائيل تشرح فيها الصعوبات التي تتعرض لها الأقلية اليهودية في سوريا خاصة في الفترة التي تلت احتلال الجولان حيث اضطر معظم اليهود من جيل الشباب للهرب وخاصة الذكور، تاركين وراءهم كبار السن و عدد قليل من الفتيات معظمهم من القاصرات في العمر،"هؤلاء بحاجة إلى عريس ولايمكن لهن أن يتزوجن في سوريا في هذه الأوضاع، طبعاً بعض الفتيات استطعن الوصول إلى بيروت، إلى منزل لأحد عملائنا هناك، والذي كان يؤمن تهريبهن إلى إسرائيل عبر البحر. لكن في الفترة الأخيرة أصبح وصول الفتيات إلى بيروت خطراً، وسمعنا عن فتيات أمسك بهن عند الحدود واعتقلن وعذبن" يشرح زامير لرجاله.

بداية تهريب اليهوديات من سوريا بمساعدة رجال الموساد تعود إلى سنة 1970، عندما بدأت بـ12 فتاة وصلن إلى ميناء جونيه اللبناني، بعدما ساعدهن مهربون سوريون للوصول إلى بيروت. في تلك الليلة الباردة، اقترب قارب إسرائيلي من شاطئ جونيه وكان على متنه الضابط البحري أبراهام بن تزييف – Avraham Ben-Zeev (Zabu) صاحب الاسم الحركي " زابو "، قدم رجال زابو على المركب لهن صندويشات و قهوة وأغطية، لأنهن كن يرتجفن من البرد، أبحر المركب نحو إسرائيل ووصل شاطئ حيفا الساعة الرابعة صباحاً وكانت المفاجأة عندما رأى زابو عن بعد ملامح شخصية إسرائيلية هامة جداً في انتظارهم ومعها شخصيات مهمة أخرى مثل الجنرال حاييم بارليف ومساعده والجنرال دافيد أليعازر المعروف بدادو(صاحب الصورة مع غولدا مائير) وكان مدير العمليات خلال حرب الأيام الستة، كانت رئيسة الحكومة الإسرائيلية غولدا مائير شخصياً بانتظار أول دفعة من الفتيات السوريات، احتفلت بهن و سمعت من كل واحدة منهن قصتها.  خلال السنة التالية قام زابو و آمون غونين(الذي أكمل المهمة مكان زابو) بعدة مهمات مشابهة بإحضار سوريات يهوديات عن طريق لبنان إلى إسرائيل، إلا أن عبور الفتيات الحدود السورية اللبنانية أصبح مهمة خطرة، عندها قررت غولدامائير جلب بقية الفتيات من سوريا مباشرة فاتصلت بزامير.

اجتمع رئيس الموساد زامير مع عناصر " كوسا نوسترا " الأربعة و أعلمهم بمهتمهم الجديدة، فكانت مفاجأة لهم و استنكروا هذه المهمة " نحن لم نتطوع في الموساد لكي نقوم بهكذا مهمة، هذه مهمة الوكالة اليهودية وليس الموساد " وآخر قال " تريد أن ترسلنا إلى أخطر عدو لنغامر بحياتنا من أجل ضمان أن العذراوات اليهوديات في سوريا لن يبقين عازبات؟؟" فرد عليهم زامير " حماية اليهود في أرض الأعداء هي من مهمات الموساد الأساسية التي تطوعتم به "

أطلق على العملية اسم " سميشا – Smicha  " وهي تعني الغطاء –Blanket " باللغة العبرية

في ليلة عاصفة من شهر نوفمبر 1971 انطلقت مجموعة من قوات الكوماندوس الخاصة للبحرية الإسرائيلية (فلوتيللا 13) من ميناء حيفا بوساطة قارب سريع متجهة شمالاً نحو سوريا، تجاوز القارب ميناء اللاذقية و تابع الإبحار حتى الحدود التركية  وفي المياه الإقليمية قبالة الشواطئ السورية انطلق الأربعة في قارب مطاطي سريع (العملاء الثلاثة وشخص رابع لكي يعيد القارب المطاطي إلى المركب) ، كانوا يرتدون لباس الغوص ويرتدون في ظهورهم حقائب صغيرة مضادة للماء (احتوت على جوازات سفر مزورة و مسدسات) ومن دون أن يتحدثوا أي كلمة فيما بينهم، وما إن اقترب القارب المطاطي من الشاطئ، سبحوا في المياه الباردة نحو شاطئ رملي ناءٍ، حيث كان بانتظارهم صديقهم " يوناتان " وهو الذي سيقود المهمة واسمه الحركي " بروسبر". كانت تركن على مقربة منهم سيارة فيها سائق سوري (يتعامل مع الموساد)، أعطاهم بروسبر ثياب ليلبسوها، وانطلق الرجال الخمسة إلى دمشق.

وصلوا دمشق بعد عدة ساعات، ونزلوا في فندقين. بعد أن استيقظوا من النوم انطلقوا في شوارع دمشق القديمة يستكشفون المنطقة، كان هؤلاء جميعهم من رجال الفلوتيلا 13 وأصبحوا بعد ذلك عملاء للموساد، ومن بينهم " دافيد مولاد ".

هؤلاء الأربعة كانوا أصدقاء، أعمارهم يومها كانت بين 23 و 27 سنة، كلهم ولدوا في شمال أفريقية و تكلموا الفرنسية والعربية بطلاقة، أطلقوا على اسم مجموعتهم اسم " كوسا نوسترا –Cosa Nostra  " نسبة إلى عصابة المافيا الشهيرة في صقلية.

كانت إدارة الموساد قد خططت لهذه المهمة قبل عدة أسابيع بناء على طلب رئيسة الوزراء غولدا مائير شخصياً!!   كان مدير الموساد يومها اللواء تسفي زامير-Zvi Zamir صاحب الصورة أدناه، ويعرف بالرمسد، ومدير فرع الموساد في القيصرية " مايك هراري ، بالإضافة إلى رؤوساء فروع على دراية بالمهمة والتقوا الرجال الأربعة قبل ذهابهم إلى سوريا.

بدأ الأربعة التجول بشوارع دمشق القديمة، يتحدثون الفرنسية فيما بينهم، فدخل بروسبر و كلودي (إيمانويل آلون) إلى محل صاغة لأنهم يعرفون أن السوريين مشهورون بحرفة الذهب لشراء بعض الذهب، فسمعهم صاحب المحل يتحدثون الفرنسية، فاقترب منهما هامساً " أنتم من  بناي آمينو " وهي باللغة العبرية أنتم من " جماعتنا " فتفاجأا لكنهما لم يعلقا بأي كلمة على كلام الصائغ، وخرجا من المحل واختفيا بين الزحام.

 قصة هروب الفتيات اليهوديات كانت قد أصبحت معروفة ضمن دائرة ضيقة من اليهود، وتكتموا تكتماً شديداً عليها. تقول سارة غافني التي هربت من سوريا، " كنا نسمع شائعات عليها تكتم شديد حول قصص هروب الفتيات اليهوديات إلى إسرائيل" أصبحنا مهووسات في الفكرة، لأن البقاء في سوريا كان يعني بقاءنا عانسات مدى الحياة.

أحد العملاء المحليين أوصل رسالة سرية لبروسبر " غداً مساءً ستأتي سيارة فيها الفتيات، ستكون في منطقة قريبة من فنادقكم ".

في الليلة التالية انطلق عملاء الكوسا نوسترا إلى مكان اللقاء، وفعلاً كانت هناك سيارة شاحنة مغطاة و مركونة في شارع مظلم، صعد اثنان من الأمام واثنان من الخلف مع الفتيات. كان عملاء الفولتيلا يرتدون السلك والعقال.

كان يقود السيارة عميل سوري، توقف ليأخذ فتاتين من منطقة متفق عليها ومن ثم توجه شمالاً إلى طرطوس. هناك نزل الجميع في كوخ معزول بعيد قليلاً عن الشاطئ وتوجه بروسبر إلى الشاطئ ليرسل إشارة ضوئية مستخدماً بيل كهربائي، وما هي إلا دقائق قليلة حتى اقتربت القوارب المطاطية السريعة إلى الشاطئ. فجأة بدأ تبادل إطلاق نار عند الشاطئ دون أن يعرفوا ما إذا كانوا المقصودين، لكنه كان قريباً جداً. جاءت رسالة من غادي كرول قائد كومندوس البحرية إلى القيادة في تل أفيف " أن إطلاق النار بين مهربين والسلطات السورية أغلب الظن وليس ضد الكوسانوسترا " ، ولكن تحسباً طلب من القوارب السريعة بالابتعاد عن الشاطئ وتغيير الوجهة شمالاً إلى النقطة (ب) التي كانوا قد حددوها مسبقاً في حال حدوث أي طارئ تمنع تنفيذ المهمة عند النقطة (أ)، وفي الوقت نفسه توجه بروسبر و الفتيات إلى السيارة وانطلقوا إلى النقطة (ب) التي كانت هادئة جداً، وهناك توجه الجميع إلى الماء و صعدوا إلى القوارب السريعة التي أقلتهم في أقل من 10 دقائق إلى سفينة حربية إسرائيلية كانت بانتظارهم في المياه الإقليمية، بعد أن صعد الجميع: اختفى رجال الفلوتيلا في السفينة العسكرية من دون الكشف عن وجوههم أو التحدث للفتيات أبداً، تم تنبيه الفتيات عن ضرورة إبقاء ما حدث سراً لأن أهلهن لا يزالون في دمشق.

أما العميل السوري، فعاد يسوق السيارة من طرطوس إلى دمشق في موعد مع مهمة جديدة لنقل مجموعة أخرى.

 وصل المركب إلى حيفا، و لم يستطع الموساد معرفة ماذا كان  سبب إطلاق النار ليلتها على الشاطئ، وبقيت فرضية المهربين هي القائمة.
 

في المرة الثانية توجه عملاء الكوسا نوسترا جواً إلى دمشق قادمين من باريس، كطلاب جامعة يدرسون الآثار و يريدون زيارة المناطق الأثرية في سوريا. كان معهم وثائق مزورة عن انتسابهم للجامعة و عملات فرنسية و حتى وصولات شراء ميترو من باريس تثبت أنهم فعلاً قضوا وقتاً في فرنسا. عبر الأربعة حاجزالهجرة و انطلقوا إلى العاصمة، ونزل كل واحد منهم في فندق مستقل. كلودي نزل في فندق هيلتون .

في هذه المرة كان الأربعة متوترين جداً خوفاً أن يكتشف أمرهم وينتهي مصيرهم بالقتل كما حدث مع إيلي كوهين الجاسوس الإسرائيلي الذي تم إعدامه في ساحة المرجة سنة 1966، و لأن ذلك كان مثيراً لفضولهم طلبوا من عامل الارتباط الذي يساعدهم في سوريا أن يأخذهم إلى المكان الذي تم إعدام كوهين به. لم يستحمل كلودي مشهد ساحة المرجة عندما تخيل أن كوهين كان معلقاً هناك، رجع فوراً إلى فندقه وصورة الإعدام لا تفارق مخيلته. وفي منتصف الليل بعد أن شرب كأساً، وبينما مان يتقلب في الفراش سمع صوت مفتاح يوضع في باب غرفته، هنا علم كلودي أن المخابرات السورية كشفت أمره، ولكن ما لبث أن اختفى الصوت، نظر من شق صغير في الباب فرأى امرأة عجوز أمريكية سائحة كانت تنزل في ذلك الفندق وقد جاءت إلى الطابق الخطأ.

كان الأربعة يقضون أوقاتهم في بارات دمشق القديمة ومطاعمها، ويتحدثون الفرنسية فيما بينهم، ولكن كلودي كان يخطئ كثيراً ويدخل بعض الكلمات العبرية في مزاحه.

تم إلغاء عدة محاولات لتهريب الفتيات اليهوديات من دمشق بسبب الوضع الأمني، وأخيراً قرر بروسبر قائد العملية أن يغير الوجهة إلى لبنان لأن الشواطئ السورية لم تعد آمنة لهكذا عملية.تم إنزال الفتيات مع العملاء الثلاثة قبل معبر الحدود ليسلكوا طريقاً ترابية غير نظامي يستخدمه عادة السكان المحليين في التهريب، أما كلودي فتابع في السيارة وعبر بشكل نظامي وانتظرهم بعد المعبر عند نقطة استراحة اتفقوا عليها. تمت العملية ووصل الجميع إلى جوني وهناك استأجر بروسبر يختاً وكان قد أخذ الموافقة من الموساد في باريس، على تغيير خطة العودة لتكون عبر لبنان. أقنع بروسبر صاحب اليخت أنه يريد أن يفاجئ أحد أصدقائه بحفلة عيد ميلاد وعدد المدعوين حوالي 15 شخصاً . عاد العملاء الأربعة إلى سوريا، وبالطريقة ذاتها نزل الثلاثة قبيل الحدود وعبر كلودي في السيارة نفسها، ومن ثم عادوا إلى باريس عبر مطار دمشق الدولي ومنها إلى تل أفيف .

انتهت العملية في نيسان 1973 عندما جاءت غولدا مائير إلى القاعدة البحرية في حيفا لتشكر بروسبر ورفاقه.

بين عامي 1970 و 1973 تم تهريب 120 فتاة يهودية سورية من دمشق على عشرين دفعة، بمساعدة عملاء الموساد " الكوسا نوسترا " وذلك عبر شاطئ طرطوس أو عبر لبنان. بقيت عملية " سميشا " سرية لأكثر من ثلاثين عاماً، وحتى الفتيات السوريات طلب منهن ألا يتحدثن إطلاقاً عن مجيئهن من سوريا.

بعد عدة سنوات كان  إيمانويل آلون (كلودي) مدعواً لحضور زفاف أحد أقربائه، وشاءت الصدفة أن تكون العروس هي إحدى الفتيات الدمشقيات، سألها كلودي من أين أنت؟ فخافت جداً، لكن كلودي ضحك فتذكرته، و حضنته، فرد عليها " إذا كانت سميشا تستحق المغامرة " طبعاً لم يفهم أحد ماذا قصد بسميشا؟؟

 

تعليق الموقع: القصة وردت في إحدى الكتب التي تحكي عن عمليات الموساد، و لا يمكننا تأكيد أو نفي صحة هذه القصة.