Published On: Sat, Sep 6th, 2014

نار جوبر.. من السماء وتحت الأرض

السفير اللبنانية | وسام عبد الله

أن تشاهد أثر مسننات دبابة فوق الطريق في ساحة العباسيين، وطائرة تقصف بصواريخ مختلفة، واشتباكات وقذائف هاون وغباراً يتصاعد ليملأ سماء العاصمة الشرقي، فهي صورة كافية لتدرك أن معركة بدأت مع الجماعات المسلحة في حي جوبر حيث الحرب تحت الأرض، وفوقها.
أبواب الريف الدمشقي نحو العاصمة تقرع بالنار والمصالحات، ففي يوم يعلن عن بداية تنفيذ مصالحة في منطقة وفي يوم ثان يعلن عن تعثرها، وفي اليوم التالي يعلن عن بدء عملية عسكرية في منطقة جديدة بهدف السيطرة عليها.
ويُعدّ حي جوبر من التجمعات السكانية القديمة في دمشق، حيث كان يصل قديماً إلى منطقة القصاع والتجارة، وكان يُعدّ التجمع الثاني لليهود في العالم من بعد خيبر في السعودية، وما يزال «كنيس» يهودي موجوداً داخل الحي برغم تعرضه للدمار والسرقة. أما الآن فهو يمتد تقريباً على مساحة ثمانية كيلومترات مربعة شمال شرق دمشق، بين ساحة العباسيين وعين ترما والقابون وزملكا، وكان يضم حوالي 300 ألف نسمة، لكن هذه النسبة تغيرت بسبب الحرب، حيث نزح كثير من سكان الحي إلى داخل مدن وقرى الغوطة، مثل عربين وكفربطنا. كما ضم في بدايات الأزمة نازحين من محافظات سورية، مثل حمص. وغالبية المدنيين نزحوا من الحي خلال دخوله في المعارك العسكرية في السنة الأخيرة.
تصل سيراً على الأقدام إلى نقطة يرتفع فيها الساتر الترابي، معلناً بداية الوصول إلى مدخل الحي الدمشقي، لتصبح ساحة العباسيين خلفك مباشرة، والتي تشكل أحد المداخل إلى عمق دمشق.
في الطريق الواصل من ساحة العباسيين إلى جوبر، تمر، على يسارك، بأبنية يتواجد فيها مدنيون رغم قربهم من خطوط النار، ويفصلها عن الأبنية المطلة على جوبر قاطع قماش كبير خوفاً من الاستهداف برصاص القنص. ويكمل بك هذا الطريق نحو منطقة المناشر ودوار البرلمان وحاجز ميسلون والمدارس. البيوت المهدمة والطرق تشهد على من مروا منها من كل الأطراف.
ومن جهة الشمال باتجاه «كراجات العباسيين» يرتفع «بناء المعلمين»، الذي يشكل الحد الفاصل بين شارع فارس الخوري المؤدي إلى ساحة العباسيين وبداية جوبر. بناء نصفه مهدم، ونصفه الآخر تشهد جدرانه على شدة المعارك التي دارت حوله لما يشكله من نقطة إستراتيجية، نتيجة ارتفاعه، ما يعطي، لمن يسيطر عليه، رؤية واضحة للميدان. وتشكل تلك الجدران مرآة تعكس صورة الدمار والاشتباكات داخل الحي. كما تشكل هذه المنطقة امتداداً نحو القابون وبرزة والاوتوستراد الدولي.
هي ليست المرة الأولى التي تخرق فيها الطائرات جدار الصوت في سماء العاصمة، لكنها كانت المرة الأولى التي يتم فيها استخدام «صواريخ مظلية» يمكن رؤيتها بالعين المجردة وبشكل واضح. فقد توقف العديد من سكان دمشق لمشاهدتها، وهي تتساقط، محدثة انفجارات متتالية، ومشكلة سحب دخان وغبار كثيفة.
ونشرت صفحات المجموعات المسلحة شريط فيديو يوثق لحظة استهداف هذه الصواريخ للأحياء بشكل متتالٍ. هذه الصواريخ تستخدم للمرة الأولى من قبل سلاح الجو السوري في حربه في الغوطة الشرقية، وهي تهدف بشكل رئيسي لاستهداف الأنفاق والتحصينات التي شكلتها الجماعات المسلحة في جوبر، بما يشكل غطاءً نارياً للوحدات البرية.
ويتحدث مصدر ميداني عن دقة العملية، فهي ليست حرباً عادية. ويقول إن «المجموعات استخدمت شبكة من الأنفاق، تم حفرها، لتسهيل تحركها بعيداً عن الأنظار، وخطورة هذه الأنفاق في أن بعضها يمكن أن يكون مفخخاً، لذلك يتم التعامل معها بحذر».

Bombing Jobar-Sep 4th 2014
ويضيف المصدر حديثه عن حرب الشوارع في جوبر بالقول إن «عملية القنص تعد من الأسباب التي تشكل عائقاً أمام التقدم السريع للجيش، والنساء كما بات معروفاً من المشاركات في عمليات القنص، وخاصة المقاتلات القادمات من الخارج، ويتمتعن بقدرة وتدريب عالييْن على القنص». وتشكل الأبنية المتداخلة حماية للمسلحين، فهم عملوا على حفر أنفاق بين تلك الأبنية، أو الحفر بين غرفة وأخرى لسهولة التنقل والهرب والاختباء أثناء الاشتباكات، وصعوبة لدخول المدرعات بين الأحياء الضيقة بشكل سريع.
منذ سنة بدأ الجيش السوري عملية «درع العاصمة» بهدف تأمين حماية المدينة من هجمات المجموعات المسلحة، فبدأ العمل ضمن محورين: التقدم الميداني من جهة وتنفيذ مصالحات من جهة ثانية. وتعد المناطق القريبة من ريف دمشق مكاناً أساسياً لاستهدافها بقذائف الهاون. وتخفف السيطرة على المليحة مؤخراً، والتقدم في جوبر، تساقط تلك القذائف ـ وليس توقفها بشكل كامل ـ اذ لا تزال منطقة عين ترما، الفاصلة بين جوبر والمليحة، تحت سيطرة المسلحين، وهي الأخرى تشكل ساحة لإطلاق القذائف.
ويشير مصدر ميداني إلى أن اقتحام الجيش جوبر يتم عبر أكثر من محور، موضحاً أن «التقدم يكون بشكل متتالٍ وبحذر، ووحدات الجيش لا تخوض هذه المعركة فقط، فما يزال التقدم ما بعد المليحة مستمرا، نحو دير العصافير وزبدين وجسرين».

وتكمن أهمية السيطرة على جوبر، كما يصفها المصدر الميداني، بكون هذه المنطقة تشكل خط الدفاع والهجوم الأساسي للمجموعات المسلحة نحو العاصمة، والسيطرة عليه يفقدها موقعاً مهماً، ويفتح الطريق أمام الجيش لاستكمال تقدمه نحو عربين وزملكا وعين ترما، ومنها إلى دوما المعقل والمصدر الأساسي للمجموعات المسلحة في القيادة والعتاد والعديد.
وأعلن، منذ أيام، عن تشكيل «قيادة عسكرية موحدة في الغوطة الشرقية» للمجموعات المسلحة، تحت قيادة زهران علوش، قائد ما يسمى بـ«جيش الإسلام». والمجموعات المنضوية تحت لواء هذه القيادة والمقاتلة حالياً في جوبر هي «فيلق الرحمن» و«ألوية الحبيب المصطفى» و«جيش الإسلام» و«أجناد الشام». وتتناقل صفحات مؤيدة لهذه التنظيمات خطورة الوضع في حال سقوط جوبر، بما يشكله من «ضربة موجعة» لتلك القيادة، وخاصة بعد خسارتها المليحة، والتي اتهم فيها علوش بالتخاذل وسحب مجموعات منها كما وصفته تلك الصفحات.
هي من يوميات الطوق حول دمشق التي ينتظر سكانها، على واقعهم اليومي، أخباراً من الريف الدمشقي، كما ينتظر المدنيون في هذا الريف يوماً تنتهي فيه العمليات العسكرية، وخاصة بعد خروج تظاهرات محدودة تطالب بانسحاب المجموعات المقاتلة، أو تنفيذ مصالحات تحافظ على ما تبقى من بيوتهم وأحيائهم.

ملاحظة: نشرت قناة الجديد اللبنانية تقريراً مصوراُ عن المعارك في جوبر و في هذا التقرير يوجد تقريبا كل ما ذكر في المقال أعلاه، لمن يريد مشاهدة المقال في التقرير أدناه بين الدقيقتين 9 و12 .