Published On: Sat, Aug 8th, 2015

هل أصبح مسيحيو القريتين ذميين عليهم دفع الجزية؟

The Syrian Times | Matar Matar | 8 Aug 2015

Al-Qaryaten map

في مساء يوم الثلاثاء 4 آب بدأ هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة القريتين وسط سوريا ( حوالي 120 كلم إلى الشمال الشرقي من العاصمة دمشق) بعمليتين انتحاريتين على حاجزين من حواجز البلدة  ودخل عناصر داعش من عدة جهات، وخرجت عناصر أخرى من أهالي القريتين الذين كانوا قد بايعوا الدولة الإسلامية سراً منذ فترة وهناك من عناصر جيش الإسلام التابع لزهران علوش والذين انضموا أيضاَ للدولة الإسلامية، لم يدم الاشتباك طويلاً مع عناصر المفرزة التابعة للأمن العسكري حتى تم الإعلان عن سيطرة التنظيم على القريتين، وليتبعه عدة طلعات جوية للجيش السوري زادت على 30 غارة.

Al-Qryaten attack on Aug 4th 2015

تم بعدها إخراج العوائل المسيحية من منازلهم و تجميعهم في دير ما أليان الواقع في أطراف البلدة بالإضافة إلى وضع قسم منهم في دار أحد سكان القرية من الذين بايعوا داعش قبل فترة وهو خالد العبد الرحيم وذلك بحجة حمايتهم من قصف الطيران. ولكن مع ذلك بقي بعض المسيحيين في بيوتهم ولم يخرجوا منها (مثل ج .ع وغيرهم وهنا أعتقد أن السبب في ذلك هو أن هؤلاء لهم أوضاعهم الصحية الخاصة ولذلك لا يريدون أن يتحملوا مسؤوليتهم).

بعد أن حصل الهجوم وفي الساعات الفاصلة قبل سيطرة التنظيم على البلدة استطاعت الكثير من العوائل الهرب إلى المناطق المجاورة من حوارين ومهين وصدد و الغنثر ومنها إلى دمشق وحمص وزيدل وفيروزة، بعض هؤلاء خرجوا سيراً على الأقدام حتى وصلوا إلى أقرب نقطة للجيش السوري الذي أمن لهم وصولهم أو جاء من يأخذهم من أقاربهم، مثل (00 – رفض نشر أول أحرف من اسمه) الذي استطاع الهرب من القريتين حتى بعد سيطرة داعش عليها وذلك بعد أن رفض جيرانه أن يحتمي عندهم خوفاً من بطش إرهابيي داعش في حال اكتشف أمرهم، فاضطر للسير حوالي 30 كلم برفقة شخص آخر إلى أقرب نقطة للجيش السوري في الغنثر ومن ثم جاء والده من العاصمة ليقله.

كما تم تعليم منازل المسيحيين بحرف "ن" وأرقام، كما فعل مع مسيحيي الموصل.

أهمية القريتين:

  1. تنظيم الدولة الإسلامية كان قد سيطر على مناجم الفوسفات في أواخر أيار و على تدمر في حزيران ومن البديهي التوقع أنه سيتقدم نحو بقية القرى المجاورة (القريتين وصدد ومهين وحوارين و الحفر) و فهو يرفع شعاراً واضحاً " باقية وتتمدد" وبالتالي لا يخفي غاياته في التمدد على كامل الأرض السورية والعراقية.
  2. يتواجد إلى الشمال الغربي من القريتين بحوالي 35 كلم مطار الشعيرات العسكري وهو من أهم المطارات العسكرية للجيش السوري، إذا هو على لائحة الأهداف المستقبلية لداعش.
  3. القريتين هي من القرى القليلة جداً في الريف السوري التي تحتوي على خليط من الإسلام والمسيحية، فمعظم قرى سوريا تقطنها طائفة واحدة، وهذا برأيي قد يثير الحساسيات لدى المسيحيين في عموم سوريا والعالم و شعور في الخذلان عندما يرون أبناء طائفتهم يدفعون الجزية للدولة الإسلامية (مبلغ حوالي 500 دولار في السنة على كل عائلة مسيحية طبقته داعش على مسيحيي الرقة) و هذا سيزيد من إحراج النظام بأنه غير قادر على حماية الأقليات ولا حتى الأكثرية عندما يفشل في استعادة السيطرة على المدن والقرى التي تسقط بيد داعش أو النصرة (مثل الرقة والطبقة وتدمر وأدلب). وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التركيز الإعلامي على مسيحيي القريتين ليس لأن المسيحيين أهم من غيرهم إطلاقاً، وإنما ببساطة لأنهم أقلية في بلدة اشتهرت تاريخياً بأنها كانت مهداً للمسيحيية القديمة منذ القرون الأولى للميلاد، لم يبق من مسيحيي القريتين ما يتجاوز 500 شخص في بلد تعداده يزيد على 40 ألف نسمة، ولعبت عوامل عديدة في تناقص عدد المسيحيين في القريتين أهمها هو الهجرة المستمرة لأبناء القريتين إلى المدن المجاورة الكبيرة مثل حمص ودمشق، بالإضافة إلى هجرة مسيحييها تحديداً إلى زيدل وفيروزة قرب حمص، وذلك لقلة فرص العمل و البحث عن تعليم أفضل لأبنائهم في المدن الكبرى،  وهناك عاملاً هاماً آخر وهو إنجاب عدد قليل من الأطفال مقارنة مع المسلمين، وهذا قد ينطبق على سوريا والشرق الأوسط بشكل عام. كل هذه العوامل جعلت من مسيحيي القريتين أقلية أكثر بكثير من قبل إذا ما قارنا نسبتهم في سبعينات القرن الماضي.  لذلك عندما يسقط قتلى من أي طائفة فهذا مدان، ولكن عندما يتم وضع طائفة بأكملها تحت الإقامة الجبرية فقط لأنهم مسيحيون وتوسم منازلهم بحرف " ن " و تخييرهم بين الرحيل عن بيوتهم أو الجزية أو إشهار إسلامهم فهذا يسمى التهجير الطائفي وتندرج جريمته تحت بند الجرائم بحق الإنسانية.
  4. موقعها القريب من عدة مدن حيوية وطرق دولية يجعلها مقراً مهماً للدولة الإسلامية لإنشاء قاعدة لها هناك تتنطلق منها للهجوم على المناطق المجاورة مثل النبك وجيرود و دمشق أو باتجاه الشمال الغربي إلى حمص أو باتجاه قطع الطريق الدولي بين حمص ودمشق قرب دير عطية أو قارة. 

هناك الكثير من الأقاويل حول ما حصل بشأن المسيحيين في القريتين، ولا يوجد حقيقة أي شيء مؤكد حتى الآن وذلك بسبب انقطاع كل أشكال الاتصال مع البلدة.

الفرضيات الممكنة لما حصل بشأن المدنيين في القريتيين وذلك بحسب ما تناقله الناس:

1- بداية الأمر تم تجميع مسيحيي القريتين في دار خالد العبد الرحيم ودير مار أليان الشرقي و مول أبو علي القاعد، مع تأمين كل متطلباتهم من الأكل والدواء، دون السماح لأحد منهم المغادرة إلا لإطعام الماشية أو الدواجن إن كانوا يملكونها.

2- تم إطلاق سراح المسيحيين في اليوم الثالث في 7 آب وعودة كل منهم إلى منزله ولكن مع عدم السماح لهم بمغادرة القريتين، ولم يطلب منهم أي جزية وهذه الفرضية هي الأكثر رواجاً الآن، ولكن لا نعلم حقيقة إلى متى؟؟ ولماذا يمنعون المسيحيين من مغادرة البلدة؟؟ وهنا يجب الإشارة إلى أن العشرات من العوائل استطاعت الخروج من القريتين إلى حمص و والفرقلس والبدو في محيط القريتين و حلب و دمشق وخنيفيس ؟؟ الغرابة في الموضوع هو ما تناقلته صفحة " نازحي القريتين " التي تم إنشاؤها بعد سقوط القريتين بيد داعش، بهروب العشرات من العائلات إلى الرقة والطبقة والدانا وهذه مناطق كلها خارج سيطرة الدولة، وخاصة الرقة والطبقة الواقعتين بيد داعش فلماذا ينزح هؤلاء من القريتين خوفاً من داعش؟؟ إلى مناطق أخرى تسيطر عليها داعش؟؟ وإذا كانت غاية النزوح الهرب من هجوم الطيران السوري فتلك المناطق تقصفها طائرات التحالف الدولي أيضاً؟؟

3- تم تخيير المسيحيين بين خيارات ثلاثة إما الرحيل وترك كل ممتلكاتهم، أو اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية. طبعاً هذا ليس بالأمر المستبعد إطلاقاُ بالمقارنة لما حصل مع المسيحيين في المناطق التي سقطت بيد داعش سابقاً، ولكن لم يتم التأكد من ذلك بعد.

4- تم نقل العشرات من رجال القريتين إلى خنيفيس ( مناجم الفوسفات التي كانت قد سقطت بيد داعش في أواخر أيار المنصرم وتبعد عن القريتين حوالي 40كلم) حيث سيتم التحقيق معهم ومحاكمتهم بتهمة التخابر مع النظام، هذا يعني أنه سيتم إخراج إصدار من إصدارات الدولة الإسلامية لعملية إعدام جماعية كما يحصل عادة بعد سقوط كل مدينة بيد داعش سواء في العراق أو سوريا.

5- لا يوجد حجز حرية أي شخص وبإمكان من شاء الخروج من القريتين وهذا ما نشرته إحدى الصفحات التابعة للقريتين على الفيسبوك ولا يوجد ما يؤكد هذا الكلام.

لا تزال الاشتباكات مستمرة حول القريتين، ولكن لا يوجد أية بيانات رسمية لا من الإعلام السوري الرسمي ولا من القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة حول تفاصيل ما حصل في القريتين.

وكانت الخارجية الأميركية قد أدانت في بيان لها عملية اختطاف المسيحيين على يد تنظيم داعش في القريتين. وضعت صورة للبيان لأن موقع الخارجية قد يكون محجوباً لدى البعض.

STate department statement about Al-Qaryaten

يجدر بالذكر أن هويات بلدة القريتين (وكذلك صدد) تحوي الطائفة بالنسبة للمسيحيين ، مثال الخانة : مسيحيون سريان قديم، وهذا مثال لإحدى هويات مسيحيي القريتين، وبالتالي يمكن بكل بساطة معرفة طائفة الشخص وهذا لم يكن موجوداً في الهويات القديمة، ولكن الهويات الجديدة التي تم إصدارها في أواخر التسعينات تضمنت الطائفة. 

Qaryaten ID

حيثيات سابقة:

لا بد من الإشارة إلى أن عدداً لا بأس به من شباب القريتين كانوا قد انضموا إلى جماعة زهران علوش في تنظيم ما يسمى جيش الإسلام ، وبعد أن حصلت المصالحة (الهدنة) مع الدولة في أواخر العام الماضي ساعد هؤلاء الشباب بالتصدي لهجوم داعش في ديسمبر الماضي وبتغطية من الطيران السوري بعد التنسيق مع رئيس مفرزة الأمن العسكري في القريتين العقيد ازدشير. يجدر الإشارة إلى أنه في ديسمبر الماضي حصل لقاء بين الشيخ أسعد الشباك (خطيب الجامع الكبير وهو إمام القريتين) و الكاهن جاك مراد راعي أبرشية القريتين للسريان الكاثوليك مع بعض الشباب من جيش الإسلام وكان رد الشيخ أسعد حول مساعدة هؤلاء الشباب في التصدي لداعش بتغطية من الطيران السوري : أن المسلم لا يقتل أخاه المسلم!! ولكن هؤلاء الشباب لم يسمعوا للشيخ أسعد واتصلوا مع الأب جاك وقالوا له لقد بدأنا بالتنسيق مع الجيش السوري ونحن معك في الرأي.

 هنا لا بد من التذكير أن الأب جاك مراد كان قد اختطف من دير ما أليان الشرقي في القريتين يوم 22 أيار 2015 في وضح النهارعندما دخل ملثمان مسلحان عليه و أجبراه بالخروج معهما بالإضافة لرجل أرمني(اسمه بطرس) آخر من حلب كان يزور الأب جاك و حاول التصدي لهما فاختطفاه أيضاً  و تم الخطف في سيارة الأب جاك نفسها، و كان قد استنكر هذه الحادثة كل أهالي القريتين ومن بينهم الشيخ أسعد واعتبروها أنها محاولة لخلق فتنة، ولم تتبن أي جهة المسؤولية عن الحادثة. الأب جاك غير متزوج و عمره 50 سنة وهو من مدينة حلب لكنه يعيش في القريتين منذ فترة طويلة وهو محبوب من قبل جميع سكان البلدة. 

Jack Murad - Kidnapped on 22 May 2015 from Al-Qaryaten

كما نشرت بطركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس بياناَ تدين به هجوم داعش على القريتين و احتجاز 227 مسيحياً :

Archishop-1

لمحة تاريخية عن القريتين:

القريتين بلدة قديمة جداً ومأهولة في السكان حتى قبل كتابة التوراة و العهد القديم، وجاء ذكرها في سفر العدد من التوراة الإصحاح 34 باسم " حصر عينان " أي " قرية الينابيع " وهي الواحة الشهيرة بينابيعها في قلب البادية السورية (والتي جف معظمها مؤخراً) . تم ذكرها في أسفار ياقوت الحموي في القرن الثالث عشر الميلادي، وذكر أن أهلها من النصارى، وكانت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد قد مرت بالقريتين لكن أهل البلدة لم يدخلوا الإسلام يومها.  أما ذكرها في الكتاب المقدس في العهد القديم، في سفر العدد وسفر حزقيال، حين كلم الرب موسى حول أرض الميعاد لبني إسرائيل في سفر العدد من التوراة الإصحاح 34. 

1- وكلم الرب موسى قائلا

2-  أوص بني إسرائيل وقل لهم: إنكم داخلون إلى أرض كنعان. هذه هي الأرض التي تقع لكم نصيبا. أرض كنعان بتخومها

3- تكون لكم ناحية الجنوب من برية صين على جانب أدوم، ويكون لكم تخم الجنوب من طرف بحر الملح إلى الشرق

4- ويدور لكم التخم من جنوب عقبة عقربيم، ويعبر إلى صين، وتكون مخارجه من جنوب قادش برنيع، ويخرج إلى حصر أدار، ويعبر إلى عصمون

5- ثم يدور التخم من عصمون إلى وادي مصر، وتكون مخارجه عند البحر

6- وأما تخم الغرب فيكون البحر الكبير لكم تخما. هذا يكون لكم تخم الغرب

7- وهذا يكون لكم تخم الشمال. من البحر الكبير ترسمون لكم إلى جبل هور

8- ومن جبل هور ترسمون إلى مدخل حماة، وتكون مخارج التخم إلى صدد

9- ثم يخرج التخم إلى زفرون، وتكون مخارجه عند حصر عينان. هذا يكون لكم تخم الشمال

10- وترسمون لكم تخما إلى الشرق من حصر عينان إلى شفام

11- وينحدر التخم من شفام إلى ربلة شرقي عين. ثم ينحدر التخم ويمس جانب بحر كنارة إلى الشرق

12- ثم ينحدر التخم إلى الأردن، وتكون مخارجه عند بحر الملح. هذه تكون لكم الأرض بتخومها حواليها

13- فأمر موسى بني إسرائيل قائلا: هذه هي الأرض التي تقتسمونها بالقرعة، التي أمر الرب أن تعطى للتسعة الأسباط ونصف السبط

14- لأنه قد أخذ سبط بني رأوبين حسب بيوت آبائهم، وسبط بني جاد حسب بيوت آبائهم، ونصف سبط منسى. قد أخذوا نصيبهم

15- السبطان ونصف السبط قد أخذوا نصيبهم في عبر أردن أريحا شرقا، نحو الشروق 

Hazar Enan-Alqaryaten- the borders of the promised land

وفيها أيضاً دير ما أليان الشرقي التاريخي والذي يعود تاريخه إلى القرن السادس الميلادي، و قصة بناء هذا الدير في ذلك الموقع فهي أن القديس مار أليان الشرقي (تمييزاً له عن مار أليان الغربي في حمص) عندما توفي أوصى بأن يترك جثمانه ليجره ثوران و أين يتوقف هذان الثوران يدفن هناك، وهذا ما حصل و دفن جثمانه في القريتين و بني عليه الدير الذي يعتبر مزاراً مهماً يقصده السوريون في تلك المنطقة من مسيحيين ومسلمين.

هنا لا بد من نشر هذه الوثيقة القديمة لعقد شراء بيت في القريتين بتاريخ 1773 لآل طحان ويصفونهم بالذميين يومها كانت سوريا تحت حكم الاحتلال العثماني أو الخلافة العثمانية كما يحلو للبعض تسميتها.  هل أصبح مسيحيو القريتين أهل ذمة يدفعون الجزية؟؟ نتمنى ألا يحصل هذا وأملنا كبير جداً بالعقلاء والطيبين من أهالي القريتين المسلمين الذين عاشوا على مدار هذه السنين بكل ألفة ومحبة مع أخوتهم المسيحيين بعيداً عن التطرف والتعصب، وهم اليوم برأيي ضحية للمتطرفين الذين حملوا السلاح وحكموا بأمرهم.

Tahan Family Deed 1773 (1187 Hijri)

 

هذا المقال قابل للتعديل عند الحصول على أية معلومات جديدة.